فخر الدين الرازي
249
تفسير الرازي
به في كل الأحوال فثبت أن طريقتهم في هذا الباب متناقضة . أما قوله تعالى : * ( وإذا مس الإنسان ) * فقيل المراد بالإنسان أقوام معينون مثل عتبة بن ربيعة وغيره ، وقيل المراد به الكافر الذي تقدم ذكره ، لأن الكلام يخرج على معهود ، تقدم . أما قوله * ( ضر ) * فيدخل فيه جميع المكاره سواء كان في جسمه أو في ماله أو أهله وولده ، لأن اللفظ مطلق فلا معنى للتقييد * ( ودعا ربه ) * أي استجار بربه وناداه ولم يؤمل في كشف الضر سواء ، فلذلك قال : * ( منيباً إليه ) * أي راجعاً إليه وحده في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة هي الرجوع * ( ثم إذا خوله نعمة منه ) * أي أعطاه ، قال صاحب " الكشاف " : وفي حقيقته وجهان أحدهما : جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال ، إذا كان متعهداً له حسن القيام به ومنه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة " والثاني : جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر ، وفي المعنى قالت العرب : إن الغنى طويل الذيل مياس ( c ) ثم قال تعالى : * ( نسي ما كان يدعو إليه من قبل ) * أي نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه ، وما بمعنى من كقوله تعالى : * ( وما خلق الذكر والأنثى ) * ( الليل : 3 ) وقوله تعالى : * ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) * ( الكافرون : 3 ) وقوله تعالى : * ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * ( النساء : 3 ) وقيل نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه والمراد من قوله نسي أن ترك دعاءه كأنه لم يفزع إلى ربه ، ولو أراد به النسيان الحقيقي لما ذمه عليه ، ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي أن لا يفزع ، وأن لا إله سواه فعاد إلى اتخاذ الشركاء مع الله . ثم قال تعالى : * ( وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضل بفتح الياء والباقون ليضل بضم الياء على معنى ليضل غيره . المسألة الثانية : المراد أنه تعالى يعجب العقلاء من مناقضتهم عند هاتين الحالتين ، فعند الضر يعتقدون أنه لا مفزع إلى ما سواء وعند النعمة يعودون إلى اتخاذ آلهة معه . ومعلوم أنه تعالى إذا كان إنما يفزع إليه في حال الضر لأجل أنه هو القادر على الخير والشر ، وهذا المعنى باق في حال الراحة والفراغ كان في تقرير حالهم في هذين الوقتين بما يوجب المناقضة وقلة العقل . المسألة الثالثة : معنى قوله : * ( ليضل عن سبيله ) * أنه لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه بل يدعو غيره إما بفعله أو قوله إلى أن يشاركه في ذلك ، فيزداد إثماً على إثمه ، واللام في قوله * ( ليضل ) * لام العاقبة كقوله : * ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ) * ( القصص : 8 ) ولما ذكر الله تعالى عنهم هذا الفعل المتناقض هددهم فقال : * ( قل تمتع بكفرك قليلاً ) * وليس المراد منه الأمر بل